سيد محمد طنطاوي

355

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

في أول أمره . ونشأته الأولى ، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه ، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ، ولا يملى على حافظه إلا ما يسره في عاقبته . « مم خلق » استفهام جوابه : « خلق من ماء دافق » ، والدفق : صبّ فيه دفع . ومعنى « دافق » النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق ، كاللابن والتامر . أو الإسناد المجازى ، والدفق في الحقيقة لصاحبه . ولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم ، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه . . . « 1 » . وقال بعض العلماء : قوله : * ( خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ) * أي : من ماء ذي دفق . . وكل من منى الرجل . ومنى المرأة ، اللذين يتخلق منهما الجنين ، ذو دفق في الرحم . * ( يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ) * أي : يخرج هذا الماء الدافق ، من بين صلب كل واحد منهما ، وترائب كل منهما . أي : أن أعضاء وقوى كل منهما ، تتعاون في تكوين ما هو مبدأ لتوالد الإنسان : ماء الرجل وهو المنى ، ومادة المرأة وهي البويضة المصحوبة بالسائل ، المنصبان بدفع وسيلان سريع إلى الرحم عند الاتصال الجنسي . ويسمى الفقهاء هذه المادة منيا وماء . . « 2 » . وقال فضيلة الشيخ ابن عاشور : وأطنب - سبحانه - في وصف هذا الماء الدافق ، لإدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ، ليستيقظ الجاهل الكافر ، ويزداد المؤمن علما ويقينا . ووصف بأنه * ( يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ) * ، لأن الناس لا يتفطنون لذلك . . وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن ، الذي لم يكن علم به للذين نزل بينهم ، وهو إشارة مجملة ، وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة : أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سئل عن احتلام المرأة فقال : « تغتسل إذا أبصرت الماء . فقيل له : أترى المرأة ذلك ؟ فقال : وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك ، إذا علا ماء المرأة ماء الرجل ، أشبه الولد أخواله ، وإذا علا ماء الرجل ماءها ، أشبه أعمامه » « 3 » . وقال صاحب الظلال : ولقد كان هذا سرا مكنونا في علم اللَّه لا يعلمه البشر ، حتى كان نصف القرن الأخير ، حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته ، وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية ، يتكون ماء الرجل . وفي عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة ، حيث

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 735 . ( 2 ) صفوة البيان ج 2 ص 530 لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف . ( 3 ) راجع تفسير التحرير والتنوير ج 30 ص 263 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور .